اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
54
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
في عداد الهالكين فتزوجت من غيره ، كما وأن جيرانه لم يصدقوا قصته ؛ وأنقذ الموقف الخليفة عمر الذي أكد بأن ما وقع لتميم كان قد تنبأ به محمد من قبل . والقصة في صورتها هذه تجمع بين موضوعين أسطوريين عالميين ( universal ) هما الرحلة إلى البلاد المسحورة ، وأوبة الشخص الذي اعتبر في عداد الأموات إلى عالم الأحياء . وقد نالت هذه القصة انتشارا واسعا ولا تزال حية إلى الآن على هيئة كتيبات شعبية كثيرا ما أعيد طبعها ، بل وعرفت أيضا في ترجمات قديمة العهد بالتركية والملايوية والإسبانية . وتأثير المصنفات من هذا النوع قد انعكس في أساطير العصور الوسطى الأوروبية من طراز رحلة القديس براندان St . Brandan . ومن الطريف أن جغرافى القرن الرابع عشر المقدسي ( توفى عام 765 ه - 1364 ) 113 ويجب عدم الخلط بينه وبين سميه الرحالة المعروف للقرن العاشر - قد أفرد كتابا قائما بذاته لرحلة تميم الداري يتضح من عنوانه « إفحام الممارى بأخبار تميم الداري » أنه رد على من تشككوا في حقيقة الرحلة 114 . أما الرحلة الثانية فكانت غايتها القسطنطينية وترتبط بشخصية تاريخية معروفة لنا جيدا ؛ كما يمكن تحديد زمن وقوعها بالكثير من الثقة بعام 632 . وعلى الرغم من ذلك فهي ليست بأقل تلفيقا من سابقتها . وتقترن هذه الرحلة باسم عبادة بن الصامت 115 أحد الأنصار من الخزرج ممن آمنوا بمحمد قبل هجرته من مكة ، وكان من أقرب المقربين إليه ومن رجالات بدر ؛ وقد لعب فيما بعد دورا في فتح مصر وولى على حمص بالشام . وفي عام 23 ه غزا الروم مع معاوية وبلغ عمورية Amorium 116 . وقد توفى بالرملة عام 34 ه - 654 عن اثنين وسبعين عاما 117 . أما رحلته فقد عرف عنها واقعتان فقط ، حفظ الأولى منهما ياقوت واعتمد عليه القزويني في روايته 118 ، وهي تتعلق بزيارته للرقيم الذي يرقد فيه أهل الكهف على مقربة من القسطنطينية وقد شغل هذا الموضوع فيما بعد الأدب الجغرافي وتردد صداه فيه أكثر من مرة . والقصة معروفة جيدا وتوجد لها ترجمة في اللغتين الروسية والأوكرانية 119 . ويبدأ عبادة بن الصامت حكايته كالآتى : « بعثني أبو بكر رضى اللّه عنه سنة استخلف إلى ملك الروم أدعوه إلى الإسلام أو آذنه بحرب ؛ قال فسرت حتى دخلت بلد الروم فلما دنوت إلى قسطنطينية لاح لنا جبل أحمر قيل إن فيه أصحاب الكهف والرقيم ، ودفعنا فيه إلى دير وسألنا أهل الدير عنهم فأوقفونا على سرداب في الجبل ، فقلنا لهم إنا نريد أن ننظر إليهم ، فقالوا أعطونا شيئا فوهبنا لهم دينارا فدخلوا ودخلنا معهم في ذلك السرداب وكان عليه باب حديد ففتحوه فانتهينا إلى بيت عظيم محفور في الجبل فيه ثلاثة عشر رجلا مضطجعين على ظهورهم كأنهم رقود وعلى كل واحد منهم جبة غبراء وكساء أغبر قد غطوا بها رؤوسهم إلى أرجلهم ، فلم ندر ما ثيابهم أمن صوف أو وبر أم غير ذلك إلا أنها كانت أصلب من الديباج وإذا هي تقعقع من الصفاقة والجودة ، ورأينا على أكثرهم خفافا إلى أنصاف سوقهم وبعضهم منتعلين بنعال محصوفة ولخفافهم